مشاهدة النسخة كاملة : الاطعمة المحرمة


أمير العرب
04-04-2010, 06:35 PM
هذا موضوع عن الاطعمة المحرمة



:d:d:d:d:d:d:d:d:d:d:d:d:d:d:d:d:d:d:d:d:d:d:d:d:d :d


فـي تـفـسير الاية 32 من سورة الاعراف تحدثنا بالتفصيل عن استثمار المؤمنين الاطعمة الطيبة والزينة المعقولة (المجلد الخامس من هذا التفسير).
الايـة الـتـالـيـة تبين بعض الوان الاطعمة المحرمة , وتقول : (انما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما اءهل به لغير اللّه ).
تـذكر الاية ثلاثة انواع من اللحوم المحرمة اضافة الى الدم , وهي من اكثر المحرمات انتشارا في ذلـك الـعـصر, في بعضها خبث ظاهر لا يخفى على احد كالميتة والدم ولحم الخنزير, وفي بعضها خبث معنوي كالتي ذبحت من اجل الاصنام .
الـحصر في الاية بكلمة انما هو حصر اضافي لا يستهدف منه بيان جميع المحرمات , بل نفي ما ابـتدعوه بشان بعض اللحوم المحللة . بعبارة اخرى , هؤلاء الجاهليون حرموا بعض الاطعمة الطيبة استنادا الى ما توارثوه من خرافات واوهام , لكنهم بدلا من ذلك كانوا يعمدون عند قلة الطعام الى اكل الميتة او الخنزير او الدم .
القرآن يقول لهؤلاء: ان هذه هي الاطعمة المحرمة لا تلك (وهذا هو معنى الحصر الاضافي ).
ولـما كانت بعض الضرورات تدفع الانسان الى تناول الاطعمة المحرمة حفظا لحياته , فقد استثنت الاية هذه الحالة وقالت : (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه ).
ومـن اجل ان تقطع الاية الطريق امام من يتذرع بالاضطرار, اكدت على كون المضطر غير باغ ولا عـاد.والباغي هو الطالب , والمراد هنا طالب اللذة والعادي هو المتجاوز للحد, اي المتجاوز حـد الـضـرورة , فـالـرخـصة هنااذن لمن لا يريد اللذة في تناول هذه الاطعمة , ولا يتجاوز حد الضرورة اللازمة لنجاته من الموت .
ولان معنى البغي الظلم ايضا ذهب بعض المفسرين الى ان الرخصة ممنوحة لاولئك الذين يضطرون خلال سفرمحلل , لا خلال سفر المعصية .
فالمسافرون لهدف غير مشروغ قد يجب عليهم تناول الاطعمة المحرمة لحفظ النفس من التلف , الا ان هذاالعمل يكتب في صحيفة اعماله من الذنوب .
بـعـبـارة اخـرى : هؤلاء العاصون قد يجب عليهم عقلا في اسفارهم المحرمة ان يتناولوا شيئا من الاطـعـمـة المحرمة لدى الاضطرار, لكن هذا الوجوب لا يرفع عنهم المسؤوليتة , لانهم اجبروا على ذلك وهم على مسير خاطي ء.
وهناك روايات تذكر ان الاية تشير الى السائرين على طريق الخروج على امام المسلمين , فهؤلاء مـسـتـثنون من هذه الرخصة . وهذه الروايات تشير في الواقع الى نفس الحقيقة المذكورة , وهكذا الامـر في احكام صلاة المسافر,فالمسافر يقصر الصلاة في السفر الا ما كان سفرا حراما, ولذلك يـستدل بعبارة (غير باغ ولا عاد) للحكمين معا,حكم صلاة المسافر, وحكم ضرورة تناول اللحوم المحرمة ((490)) وفي الختام تقول الاية : (ان اللّه غفور رحيم ) فان اللّه الذي حرم تلك الاطعمة اباح تناولها في موارد الضرورة برحمته الخاصة .
..
بحوث 1 - فلسفة تحريم اللحوم المحرمة : الاغـذيـة الـمـحرمة التي ذكرتها الاية الكريمة اعلاه لها - كسائر المحرمات الالهية - فلسفتها الـخاصة . وقدشرعت انطلاقا من خصائص الانسان جسميا وروحيا. والروايات الاسلامية ذكرت علل بعض هذه الاحكام ,والعلوم الحديثة اماطت اللثام ايضا عن بعض هذه العلل .
عـلـى سـبيل المثال , روي عن الامام الصادق (ع ) قال : ...اءما الميتة فانه لم ينل منها اءحد الا ضعف بدنه , وذهبت قوته ,وانقطع نسله , ولا يموت آكل الميتة الا فجاءة ((491)) .
ولعل هذه المفاسد تعود الى ان جهاز الهضم لا يستطيع ان يصنع من الميتة دما سالما حيا, اضافة الى ان الميتة مرتع انواع الميكروبات , والاسلام اعتبر الميتة نجسة , كي يبتعد عنها المسلم فضلا عن عدم تناولها.
والـمـحرم الثاني في هذه الاية الدم , وشرب الدم له مفاسد اخلاقية وجسمية , فهو وسط مستعد تماما لتكاثر انواع الميكروبات .
الـميكروبات التي تدخل البدن تتجه اول ما تتجه الى الدم , وتتخذه مركزا لنشاطهم , ولذلك اتخذت الـكـريات البيضاء مواقعها في الدم للوقوف بوجه توغل هذه الاحياء المجهرية في الدم المرتبط بكل اجزاء الجسم .
وحـين يتوقف الدم عن الحركة وتنعدم الحياة فيه , يتوقف نشاط الكريات البيض ايضا, ويصبح الدم على بذلك وسطا صالحا لتكاثر الميكروبات دون ان تواجه عقبة في التكاثر. ولذلك نستطيع القول ان الدم - حين يتوقف عن الحركة - يكون اكثر اجزاء جسم الانسان والحيوان تلوثا.
ومـن جـهـة اخرى ثبت اليوم في علم الاغذية , ان الاغذية لها تاثير على الاخلاق والمعنويات عن طريق التاثيرفي الغدد وايجاد الهورمونات . ومنذ القديم ثبت تاثير شرب الدم تشديد قسوة الانسان , واصبح ذلك مضرب الامثال . لذلك نرى الرواية عن الامام جعفر بن محمد(ع ) تقول : اما الدم فانه يورث القسوة في القلب وقلة الرافة والرحمة حتى لا يؤمن ان يقتل ولده ووالديه ولا يؤمن على حميمه ولايؤمن على من يصحبه ((492)) .
ثالث : المحرمات المذكورة في الاية لحم الخنزير.
الـخـنزير - حتى عند الاوروبيين المولعين باكل لحمه - رمز التحلل الجنسي . وهو حيوان قذر للغاية , وتاثيرتناول لحمه على التحلل الجنسي لدى الانسان مشهود.
حرمة تناول لحمه صرحت بها شريعة موسى (ع ) ايضا, وفي الاناجيل شبه المذنبون بالخنزير, كما ان هذاالحيوان مظهر الشيطان في القصص .
ومـن الـعجيب ان اءناسا يرون باءعينهم قذارة هذا الحيوان حتى انه ياءكل عذرته , ويعلمون احتواء لحمه على نوعين خطرين من الديدان , ومع ذلك يصرون على اكله .
دودة الـتـريـشـيـن التي تعيش في لحم هذا الحيوان تتكاثر بسرعة مدهشة , وتبيض في الشهر الـواحد خمسة عشر الف مرة , وتسبب للانسان امراضا متنوعة كفقر الدم , والغثيان , وحمى خاصة , والاسـهـال , وآلام الـمفاصل ,وتوتر الاعصاب , والحكة , وتجمع الشحوم داخل البدن , والاحساس بالتعب , وصعوبة مضغ الطعام وبلعه , والتنفس و ... .
وقـد يـوجـد في كيلو واحد من لحم الخنزير (400) مليون دودة من هذه الديدان بعض البلدان الاوروبية في السنوات الماضية على منع تناول لحم هذا الحيوان .
وهكذا تتجلى عظمة الاحكام الالهية بمرور الايام اكثر فاكثر.
يـقول البعض ان العلم تطور بحيث استطاع ان يقضي على ديدان هذا الحيوان , ولكن على فرض اننا اسـتـطعنابواسطة العقاقير, او بالاستفادة من الحرارة الشديدة في طبخه , الا ان اضراره الاخرى سـتـبـقـى . وقـد ذكـرنـا ان لـلاطـعمة تاثيرا على اخلاق الانسان عن طريق تاثيرها على الغدد والهورمونات وذلك الاصل علمي مسلم , وهو ان لحم كل حيوان يحوي صفات ذلك الحيوان ايضا. من هنا تبقى للحلم الخنزير خطورته في التاثير على التحلل الجنسي للاكلين , وهي صفة بارزة في هذا الحيوان .
ولعل تناول لحم هذا الحيوان احد عوامل التحلل الجنسي في اوربا.
رابـع , الـمحرمات في الاية (ما اءهل به لغير اللّه ), وهي الحيوانات التي تذبح على غير اسم اللّه , كالتي كانت تقدم للاصنام في الجاهلية .
وتحريم لحوم هذه الحيوانات لايلزم بالضرورة ان تكون لها اضرار صحية حتى ؟ يقال : ان ذكر اسم اللّه او غـيـراللّه حين الذبح لاربط له بالامور الصحية . فليس من الحتم ان تكون للحم آثار صحية حـتـى تكون محرمة . لان المحرمات في الاسلام لها ابعاد مختلفة , فتارة بسبب الصحة وحفظ البدن واخـرى يـكون للتحريم جانب معنوي واخلاقي وتربوي , فهذه اللحوم تبعد الانسان عن اللّه , ولها تـاثير نفسي وتربوي سلبي على الاكل , لانها من سنن الشرك والوثنية وتعيد الى الذهن تلك التقاليد الخرافية .
2 - التكرار والتاكيد تـحـريم المواد الاربع المذكورة تكرر في اربع سور من القرآن , سورتين مكيتين (الانعام , 145 والنحل , 115)وسورتين مدنيتين (البقرة , 173 والمائدة ,3).
يبدو ان تحريم هذه اللحوم اعلن اولا في اوائل البعثة , ثم اعلن ثانية في اواخر اقامة الرسول (ص ) فـي مـكة ,وتكرر الاعلان ثالثة في اوائل الهجرة الى المدينة , ثم اءعيد التاءكيد رابعة في اءواخر عمر الرسول في سورة المائدة وهي آخر سور القرآن .
كل هذا التاكيد يعود الى اهمية الموضوع والى ما في هذه المواد من اخطار جسمية وروحية , والى اتساع نطاق تلوث الناس آنئذ بها.
3 - حقن الدم واضح ان تحريم تناول الدم في الاية لا يشمل موارد الاستفادة المعقولة من هذه المادة مثل حقن الدم لانـقاذالجرحى والمرضى , كما لا يتوفر لدينا دليل على حرمة بيع الدم وشرائه في هذه الموارد, لانها موارد استفادة عقلائية مشروعة عامة .
الايات 174 - 176
ان الـذيـن يكتمون ما اءنزل اللّه من الكتب ويشترون به ثمنا قليلا اءولـئك ماياءكلون فى بطونهم الا النار ولا يكلمهم اللّه يوم القيمة ولا يزكيهم ولهم عذاب اءليم اءولـئك الذين اشتروا الضللة بالهدى والـعـذاب بـالـمغفرة فما اءصبرهم على النار ذلك باءن اللّه نزل الكتب بالحق وان الذين اختلفوا فى الكتب لفى شقاق بعيد سبب النزول اجمع المفسرون على نزول هذه الاية في اهل الكتاب , وقيل انها نزلت خاصة في علماء اليهود. فقد كانوا قبل ظهور الاسلام يبشرون بصفات النبي المرتقب وبعلاماته . وبعد البعثة خاف هؤلاء الاحبار عـلـى مـصالحهم فكفوا عن طريقتهم السابقة , وكتموا ما عندهم في التوراة من صفات النبي , فنزلت الايات تؤنبهم .
التفسير ادانة كتمان الحق مرة اخرى هـذه الايـات تـاكيد على ما مر في الاية 159 بشان كتمان الحق . وهي - وان كانت تخاطب احبار الـيـهـود - لـهامفهوم عام , لا تقتصر - كما ذكرنا مرارا - على سبب نزولها. فسبب النزول - في الواقع - وسيلة لبيان الاحكام الكلية العامة , ومصداق من مصاديق الحكم الكلي للاية .
فـكـل الـذين يكتمون احكام اللّه وما يحتاجه الناس من حقائق طلبا للرئاسة او الثروة , قد ارتكبوا خيانة كبرى ,وعليهم ان يعلموا انهم باعوا حقيقة نفيسة بثمن بخس , وهي تجارة خاسرة .
الايـة الاولـى تـقول : (ان الذين يكتمون ما اءنزل اللّه من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا اءولئك ما ياءكلون في بطونهم الا النار).
هـذه الـهدايا والعطايا التي ينالونها من هذا الطريق نيران محرقة تدخل بطونهم . هذا التعبير يوضح ضـمنيا مسالة تجسيم الاعمال في الاخرة وتدل على ان الاموال المكتسبة عن هذا الطريق المحرم , هي في الواقع نيران تدخل في بطونهم وستتجسم بشكل واقعي في الاخرة .
ثم تتعرض الاية الى عقاب معنوي سينال هؤلاء اشد من العقاب المادي , وتقول : (ولا يكلمهم اللّه يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب اءليم ).
وفـي مـوضـع آخـر ذكر القرآن مثل هذا اللون من العقاب لاولئك الذين ينكثون عهد اللّه من اجل مـصـالـح تافهة ,فقال : (ان الذين يشترون بعهد اللّه واءيمانهم ثمنا قليلا اءولئك لا خلاق لهم في الا خرة ولا يكلمهم اللّه ولا ينظر اليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب اءليم ) ((493)) .
يـسـتـفـاد من هذه الاية والاية التالية ان واحدة من اعظم المواهب الالهية في الاخرة ان يكلم اللّه الـمؤمنين تلطفابهم . اي ان المؤمنين سينالون في الاخرة نفس المنزلة التي نالها انبياء اللّه في الدنيا, وسيلتذون بما التذ به الانبياء من تكليم الهي ... واية لذة اعظم من هذه اللذة ؟ اضـف الـى ذلك ان اللّه ينظر اليهم بعين لطفه , ويطهرهم بماء عفوه ورحمته , واية نعمة اعظم من هذه النعمة ؟ بـديـهي ان تكليم اللّه عباده لا يعني ان اللّه له جسم ولسان , بل انه بقدرته الواسعة يخلق في الفضاء امـواجا صوتية خاصة قابلة للسمع والادراك , (كما كلم اللّه موسى عند جبل الطور), او انه يتكلم مع خاصة عباده بلسان القلب عن طريق الالهام .
عـلـى ايـة حال , هذا اللطف الالهي الكبير, وهذه اللذة المعنوية المنقطعة النظير, للعباد المخلصين الـذيـن يـنـطـقـون بـالحق ويعرفون الناس بالحقائق , ويلتزمون بعهودهم ومواثيقهم , ولا يضحون برسالتهم من اجل مصالحهم المادية .
وقـد يـسـال سائل عن تكليم اللّه المجرمين يوم القيامة , استنادا الى ما ورد في الايات كقوله تعالى : (قـال اخسؤافيها ولا تكلمون ) ((494)) . وهذا جواب من اللّه لاولئك الذين يطلبون الخروج من النار. ومثل هذا الحوار نجده في الايتين 30 و 31 من سورة الجاثية .
والجواب : ان المقصود من التكليم في آيات بحثنا, هو تكليم عن لطف وحب واحترام , لا عن تحقير وطردوعقوبة فذلك من اشد الجزاء.
من الواضح ان عبارة (يشترون به ثمنا قليلا) لا تعني السماح بان يشتروا به ثمنا باهظا, فالمقصود ان الثمن المادي مهما زاد فهو تافه لا قيمة له امام كتمان الحق , حتى ولو كان الثمن الدنيا وما فيها.
الايـة الـتـالـيـة تحدد وضع هذه المجموعة وتبين نتيجة صفقتها الخاسرة وتقول : (اءولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة ).
فـهـؤلاء خاسرون من ناحيتين : من ناحية تركهم الهداية واختيار الضلالة , ومن ناحية حرمانهم من رحمة اللّه واستحقاقهم بدل ذلك العقاب الالهي , وهذه مبادلة لا يقدم عليها انسان عاقل .
لذلك تتحدث الاية عن هؤلاء بلغة التعجب وتقول : (فما اءصبرهم على النار)؟ آخر آية في بحثنا تقول ان ذلك التهديد والوعيد بالعذاب لكاتمي الحق , يعود الى ان اللّه انزل القرآن بالدلائل الواضحة , حتى لم تبق شبهة لاحد: (ذلك باءن اللّه نزل الكتاب بالحق ).
مـع ذلـك فـان زمرة محرفة تعمد الى كتمان الحقائق صيانة لمصالحها, وتثير الاختلاف في الكتاب السماوي لتتصيد في الماء العكر.
مثل هؤلاء الذين يثيرون الاختلاف في الكتاب السماوي بعيدون عن الحقيقة : (وان الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد).
كـلمة شقاق تعني في الاصل الشق والانفصال , ولعل المراد به ان الايمان والتقوى ونشر الحقائق رمـز وحـدة الـمجتمع الانساني , اما الخيانة وكتمان الحقائق فعامل التفرقة والتبعثر والانشقاق لا الانشقاق السطحي الذي يمكن التغافل عنه بل البعيد والعميق .
الاية 177
لـيـس الـبـر اءن تـولـوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من ءامن باللّه واليوم الا خر والـمـلــئكـة والكتـب والنبين وءاتى المال على حبه ذوى القربى واليتمى والمسكين وابن السبيل والـسـائلـين وفى الرقاب واءقام الصلوة وءاتى الزكوة والموفون بعهدهم اذاعهدوا والصبرين فى الباساء والضرآء وحين الباس اءولـئك الذين صدقوا واءولـئك هم المتقون النزول تـغـيـيـر الـقـبلة اثار بين الناس ضجة , وخاصة بين اليهود والنصارى الذين كانوا يرون في اتباع الـمـسـلـمـيـن لـقـبـلتهم سند افتخار لهم . القرآن الكريم رد في الاية 142 من هذه السورة على اعـتـراضـاتـهـم في قوله تعالى : (سيقول السفهاء...) وفي هذه الاية يطرح المعيار الصحيح لتقييم المجموعة البشرية .
التفسير اساس البر ذكـرنـا في تفسير آيات تغيير القبلة , ان النصارى كانوا يتجهون في عباداتهم نحو الشرق واليهود نحو الغرب ,وقرر اللّه الكعبة قبلة للمسلمين , وكانت في اتجاه الجنوب وسطا بين الاتجاهين .
ومر بنا الحديث عن الضجة التي اثيرت بين اعداء الاسلام والمسلمين الجدد بشان تغيير القبلة .
الاية اعلاه تخاطب هؤلاء وتقول : (ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ).
الـبـر في الاصل التوسع , ثم اءطلق على اءنواع الاحسان , لان الانسان بالاحسان يخرج من اطار ذاته ليتسع ويصل عطاؤه الى الاخرين .
والـبـر بفتح الباء, فاعل البر, وهي في الاصل الصحراء والمكان الفسيح , واطلقت على المحسن بنفس اللحاظالسابق .
ثـم يـبين القرآن اهم اصول البر والاحسان وهي ستة , فيقول : (ولكن البر من آمن باللّه واليوم الا خر والملائكة والكتاب والنبيين ).
هذا هو الاساس الاول : الايمان بالمبدا, والمعاد, والملائكة المامورين من قبل اللّه , والمنهج الالهي , والنبيين الدعاة الى هذا المنهج . والايمان بهذه الامور يضي ء وجود الانسان , ويخلق فيه الدافع القوي للحركة على طريق البناء والاعمال الصالحة .
جـدير بالذكر ان الاية تقول : (ولكن البر من ...) ولم تقل ولكن البر بفتح الباء, او البار بصيغة اسم الـفـاعـل . اي ان الاية استعملت المصدر بدل الوصف , وهذا يفيد بيان اعلى درجات التاكيد في اللغة الـعـربـيـة . فحين يقول احد:علي (ع ) هو العدل في عالم الانسانية . فهو يقصد انه عادل للغاية وان الـعـدالـة قد ملات وجوده بحيث ان من يراه فكانما لايرى سوى العدالة متجسدة . وحين يقول : بني اءمية ذل الاسلام , فيعني ان كل وجودهم ذل للاسلام .
ثم تذكر الاية الانفاق بعد الايمان , وتقول : (وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب ).
انـفـاق الـمـال ليس بالعمل اليسير على الجميع , خاصة اذا بلغ الانفاق درجة الايثار, لان حب المال موجودبدرجات متفاوتة في كل القلوب . وعبارة (على حبه ) اشارة الى هذه الحقيقة . هؤلاء يندفعون للانفاق رغم هذا الحب للمال من اجل رضا اللّه سبحانه .
الاية عددت ستة اصناف من المحتاجين الى المال : ذكرت بالدرجة الاولى ذوي القربى , ثم اليتامى والمساكين , ثم اءولئك الذين اعترتهم الحاجة مؤقتا كابن السبيل وهو المسافر المحتاج , ثم تذكر الاية بعد ذلك السائلين اشارة الى ان المحتاجين ليسوا جـمـيـعا اهل سؤال . فقديكونون متعففين لا تبدو على سيمائهم الحاجة . لكنهم في الواقع محتاجون , وعن هؤلاء قال القرآن في موضع آخر:(يحسبهم الجاهل اءغنياء من التعفف ) ((495)) .
ثم تشير الاية الى الرقيق الذين يتعطشون الى الحرية والاستقلال بالرغم من عدم احتياجهم المادي وتامين نفقتهم على عهدة مالكيهم .
والاصـل الثالث من اصول البر: اقامة الصلاة : (واءقام الصلاة ). والصلاة ان اداها الفرد بشروطها وحدودها,وباخلاص وخضوع , تصده عن كل ذنب وتدفعه نحو كل سعادة وخير.
والاصل الرابع : اداء الزكاة والحقوق المالية الواجبة : (وآتى الزكاة ).
فـالايـة سـبـق ان ذكـرت الانـفـاق المستحب , وهنا تذكر الانفاق الواجب . بعض الناس يكثر من المستحبات في الانفاق ويتساهل في الواجب , وبعضهم يلتزم بالواجب فقط ولا ينفق درهما في ايثار.
والمحسنون الحقيقيون هم الذين ينفقون في المجالين معا.
يـلـفـت الـنظر ان الاية ذكرت عبارة (على حبه ) بعد الانفاق المستحب , ولم تذكر ذلك مع الزكاة الـواجبة . ولعل ذلك يعودالى ان اداء الحقوق الواجبة وظيفة الهية واجتماعية , والفقراء - في منطق الاسلام - شركاء في اموال الاغنياء, ودفع المال للشريك لا يحتاج الى العبارة المذكورة .
الـخـامـس مـن الاصـول : الوفاء بالعهد: (والموفون بعهدهم اذا عاهدوا), فالثقة المتبادلة راس مال الـحـيـاة الاجـتـمـاعـية . وترك الوفاء بالعهد من الذنوب التي تزلزل الثقة وتوهن عرى العلاقات الاجـتـمـاعـية , من هنا وجب على المسلم ان يلتزم بثلاثة اءمور تجاه المسلم والكافر, وازاء البر والفاجر, وهي : الوفاء بالعهد, واءداء الامانة , واحترام الوالدين ((496)) .
الاسـاس الـسادس والاخير من اءسس البر في نظر الاسلام : الصبر (والصابرين في الباساء(حال الفقر والمسكنة )والضراء (حال المرض ) وحين الباس (حال القتال مع الاعداء)) ((497)) .
ثـم تؤكد الاية على اهمية الاسس الستة وعلى عظمة من يتجلى بها, فتقول : (اءولئك الذين صدقوا واءولئك هم المتقون ).
صـدقـهم يتجلى في انطباق اعمالهم وسلوكهم مع ايمانهم ومعتقداتهم , وتتجلى تقواهم في التزامهم بواجبهم تجاه اللّه وتجاه المحتاجين والمحرومين وكل المجتمع الانساني .
والملفت للنظر ان الصفات الست المذكورة تشمل الاصول الاعتقادية والاخلاقية والمناهج العملية .
فتضمنت الاية كل اءسس العقيدة , وكذلك اءشارت الى الانفاق والصلاة والزكاة بين المناهج العملية , وهي اءسس ارتباطالمخلوق بالخالق , والمخلوق بالمخلوق . وفي الحقل الاخلاقي ركزت الاية على الوفاء بالعهد, وعلى الصبروالاستقامة والثبات , وهي اساس كل الصفات الاخلاقية السامية .
الايتان 178 - 179
يــاءيـها الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص فى القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والا نثى بالانثى فمن عفى له من اءخيه شى ء فاتباع بالمعروف واءدآء اليه باحسن ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب اءليم ولكم فى القصاص حيوة يـاءولى الا لبـب لعلكم تتقون سبب النزول شـاع بـيـن القبائل العربية انتقام قبيلة من قبيلة اخرى , ولم يكن لهذا الانتقام حدود, فقد يقتل رجل فتهدد قبيلته قتل كل رجال قبيلة القاتل , فنزلت الاية وشرعت حكم القصاص .
وهـذا الـحـكـم الاسـلامـي جاء ليقرر الموقف من عرفين قائمين عن العرب , عرف يرى حتمية الـقـصاص , وعرف يرى حتمية الدية . فجاءت الاية لتقرر القصاص عند عدم موافقة اولياء المقتول على اخذ الدية , وان وافقوا فالدية .
التفسير في القصاص حياة الايـات السابقة طرحت المنهج الاسلامي في البر, وهنا يقدم القرآن الكريم - وهكذا في الايات التالية -مجموعة من الاحكام الاسلامية , اكمالا لبيان المنهج الاسلامي في الحياة .
تـبـدا هـذه الاحـكـام من مسالة حفظ حرمة الدماء, وهي مسالة هامة في الحياة الاجتماعية , فتنفي العادات والتقاليد الجاهلية , وتقول للمؤمنين : (يا اءيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ).
عـبارة (كتب عليكم ) تبين اهمية الموضوع , وتوحي بالتاكيد عليه , وذكرت في آيات اخرى بشان الصوم والوصية , ولا يكتب من المسائل عادة الا ما كان قاطعا وجادا.
والقصاص من قص , يقال قص اثره : اي تلاه شيئا بعد شي ء. ومنه القصاص لانه يتلو اصل الجناية ويتبعه ,وقيل هو ان يفعل بالثاني مثل ما فعله هو بالاول , مع مراعاة المماثلة , ومنه اخذ القصص كانه يتبع آثارهم شيئا بعدشي ء ((498)) .
الايـة كـما ذكرنا تستهدف بيان الموقف الصحيح من المجرم , ولفظ القصاص يدل على انزال عقوبة بـالـمـجـرم مماثلة لما ارتكبه هو, لكن الاية لا تكتفي بذلك , بل بينت التفاصيل فقالت : (الحر بالحر والعبد بالعبد والا نثى بالا نثى ).
وسنوضح ان شاء اللّه مسالة قصاص الانثى بالانثى , ونبين ان الرجل قاتل المراة يمكن انزال عقوبة القتل بحقه ضمن شروط.
ثـم تـبين الاية ان القصاص , حق لاولياء المقتول , وليس حكما الزاميا, فان شاؤوا ان يعفوا وياخذوا الـديـة , وان شـاؤوا تـرك الـدية فلهم ذلك , وتقول : (فمن عفي له من اءخيه شي ء) فبعد تبدل حكم القصاص عند عفو اءولياء المقتول الى دية (فاتباع بالمعروف ) اي فعل العافي اتباع بالمعروف , وهو ان لا يـشدد في طلب الدية وينظر من عليه الدية (واداءاليه باحسان ) اي على المعفو عنه ان يبادر الى دفع الدية عند الامكان , وان لا يماطل .
الـتـوصـية الى من له الدية ان لا يشدد في طلبه , وان يستوفي حقه بشكل معقول ... وعلى من عليه الدية ان يؤديهاباحسان , وان لا يسوف ويماطل .
ثـم تؤكد الاية على ضرورة الالتزام بحدود ما اقره اللّه , وعدم تجاوز هذه الحدود: (ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب اءليم ).
وهـذا الامـر بـالقصاص وبالعفو يشكل تركيبا انسانيا منطقيا. فهو من جهة يدين التقاليد السائدة في الجاهلية الاولى والجاهليات التالية الى يومنا هذا القاضية بالانتقام للمقتول الواحد بقتل الالاف .
ومن جهة اخرى , يفتح باب العفو امام المذنب , مع الحفاظ على احترام الدم وردع القاتلين .
ومن جهة ثالثة , لا يحق للطرفين بعد العفو واخذ الدية التعدي , خلافا للجاهليين الذين كانوا يقتلون القاتل احيانا حتى بعد العفو واخذ الدية .
الايـة الـتـالـيـة قـصيرة العبارة وافرة المعنى , تجيب على كثير من الاسئلة المطروحة في حقل القصاص , ويقول :(ولكم في القصاص حياة يا اءولي الا لباب لعلكم تتقون ).
هـذه الاية بكلماتها العشر, تضع الاطار العام - ببلاغة وفصاحة متناهيتين - للقصاص في الاسلام , وتبين ان القصاص ليس انتقاما, بل السبيل الى ضمان حياة الناس .
انه يضمن حياة المجتمع , اذ لو انعدم حكم القصاص , وتشجع القتلة القساة على تعريض ارواح الناس لـلخطر -كما هو الحال في البلدان التي الغت حكم القصاص - لارتفعت احصائيات القتل والجريمة بسرعة .
وهو من جهة اخرى , يصون حياة القاتل , بعد ان يصده الى حد كبير عن ارتكاب جريمته .
كـمـا انه يصون المجتمع بجعله قانون المماثلة من الانتقام والاسراف في القتل على طريقة التقاليد الجاهلية التي تبيح قتل الكثير مقابل فرد واحد. وهو بذلك يصون حياة المجتمع .
ومـع الاخذ بنظر الاعتبار ان القصاص مشروط بعدم العفو عن القاتل فهذا الشرط نافذة امل للحياة ايضا بالنسبة للقاتل .
وعبارة (لعلكم تتقون ) تحذير من كل عدوان لتكميل هذا الحكم الاسلامي العادل الحكيم .
..
بحوث 1 - القصاص والعفو تركيب عادل الـنظرة الاسلامية نظرة شمولية في كل المجالات , قائمة على احتساب جميع جوانب الامر الذي تـعالجه . مسالة صيانة دم الابرياء عالجها الاسلام بشكل دقيق بعيد عن كل افراط او تفريط, لا كما عـالـجـتـها الديانة اليهودية المحرفة التي اعتمدت القصاص , ولا الديانة المسيحية المحرفة التي ركزت على العفو... لان في الاولى خشونة وانتقاما, وفي الثانية تشجيعا على الاجرام .
ولـو افـتـرضـنا ان القاتل والمقتول اخوان او قريبان او صديقان , فان الاجبار على القصاص يدخل لـوعـة اخـرى في قلب اولياء المقتول , خاصة اذا كان هؤلاء من ذوي العواطف الانسانية المرهفة .
وتحديد الحكم بالعفو يؤدي الى تجرؤ المجرمين وتشجيعهم .
لذلك ذكرت الاية حكم القصاص باعتباره اساسا للحكم , ثم ذكرت الى جانبه حكم العفو.
بعبارة اوضح , ان لاولياء المقتول ان ينتخبوا احد ثلاثة احكام : 1 - القصاص .
2 - العفو دون اخذ الدية .
3 - العفو مع اخذ الدية (وفي هذه الحالة تشترط موافقة القاتل ايضا).
2 - هل يتعارض القصاص مع العقل والعواطف الانسانية ؟ ثـمة فئة يحلو لها ان توجه الى الاسلام - دون تفكير - اعتراضات وكثير شبهات , خاصة بالنسبة لمسالة القصاص . يقول : 1 - الجريمة لا تزيد على قتل انسان واحد, والقصاص يؤدي الى تكرار هذا العمل الشنيع .
2 - الـقصاص ينم عن روح الانتقام والتشفي والقسوة , ويجب ازالة هذه الروح عن طريق التربية , بينما يعمق القصاص هذه الروح .
3 - الـقـتـل لا يـصـدر عن انسان سالم , لابد ان يكون القاتل مصابا بمرض نفسي , ويجب علاجه , والقصاص ليس بعلاج .
4 - قـوانين النظام الاجتماعي يجب ان تتطور مع تطور المجتمع . ولا يمكن لقانون سن قبل اربعة عشر قرنا ان يطبق اليوم .
5 - مـن الافـضـل الاسـتفادة من القاتل بتشغيله في معسكرات العمل الاجباري , وبذلك نستفيد من طاقاته ونصون المجتمع من شروره .
هذا ملخص ما يوجه للقصاص من اعتراضات .
الجواب لـو امـعـنـا الـنـظر في آيات القصاص , لراينا فيها الجواب على كل هذه الاعتراضات : (ولكم في القصاص حياة يااءولي الا لباب ).
فـالـحـياة الاجتماعية لا يمكن ان تطوي مسيرتها الحياتية التكاملية , دون اقتلاع العوامل المضرة الـهـدامـة فـيـهـا.ولما كان القصاص في هذه المواضع يضمن استمرار الحياة والبقاء, فان الشعور بضرورة القصاص اودع على شكل غريزة في وجود الانسان .
انـظـمـة الـطـب والزراعة والرعي قائمة على اساس هذا الاصل العقلي , وهو ازالة الموجودات الـمضرة الخطرة .فنرى الطب يجيز قطع العضو الفاسد اذا شكل خطورة على بقية اعضاء الجسد, وتقتلع النباتات والاغصان المضرة من اجل استمرار نمو النباتات المفيدة بشكل صحيح .
اءولـئك الـذيـن يرون في الاقتصاص من القاتل قتلا لشخص آخر, ينظرون الى المسالة من منظار فردي . ولواخذوا بنظر الاعتبار مصلحة المجتمع , وعلموا ما في القصاص من دور في حفظ سائر افراد المجتمع وتربيتهم ,لاعادوا النظر في اقوالهم .
ازالـة مثل هؤلاء الافراد الخطرين المضرين من المجتمع , كقطع العضو الفاسد من جسد الانسان , وكـقطع الغصن المضر من الشجرة . ولا احد يعترض على قطع ذلك العضو وهذا الغصن . هذا بشان الاعتراض الاول .
وبـالـنـسـبـة الى الاعتراض الثاني , لابد من الالتفات الى ان تشريع القصاص لا ارتباط له بمسالة الانـتـقام . لان الهدف من الانتقام اطفاء نار الغضب المتاججة لمسالة شخصية , بينما القصاص يستهدف الحيلولة دون استمرار الظلم في المجتمع , وحماية سائر الابرياء.
وبـشان الاعتراض الثالث القائل ان القاتل مريض نفسيا, ولا تصدر هذه الجريمة من انسان طبيعي , لابـد ان نـقـول : هـذا الـكـلام صحيح في بعض المواضع , والاسلام لم يشرع حكم القصاص للقاتل الـمـجـنون وامثاله , ولكن لايمكن اعتبار المرض عذرا لكل قاتل , اذ لا يخفي ما يجر اليه ذلك من فساد, ومن تشجيع القتلة على ارتكاب جرائمهم .
ولـو صـح هـذا الاستدلال بالنسبة للقاتل لصح ايضا بشان جميع المعتدين على حقوق الاخرين . لان الانـسـان الـعاقل المعتدل لا يعتدي اطلاقا على الاخرين . وبذلك يجب حذف كل القوانين الجزائية , ويجب ارسال المعتدين والمجرمين الى مستشفيات الامراض النفسية بدل السجون .
امـا ادعـاء عـدم امـكان قبول قانون القصاص اليوم بسبب تطور المجتمع , وبسبب قدم هذا القانون , فمردود امام احصائيات الجرائم الفظيعة الي ترتكب في عصرنا الراهن , وامام التجاوزات الوحشية التي تنتشر في بقاع مختلفة من عالمنا بسبب الحروب وغير الحروب .
ولو اءتيح للبشرية اءن تقيم مجتمعا انسانيا متطورا تطورا حقيقيا, فان مثل هذا المجتمع يستطيع ان يـلـجـا الـى العفوبدل القصاص , فقد اقر الاسلام ذلك , ومن المؤكد ان المجتمع المتطور في آفاقه الانـسـانـيـة سيفضل عفو القاتل . اما في مجتمعاتنا المعاصرة حيث ترتكب فيها افظع الجرائم تحت عناوين مختلفة , فان الغاء قانون القصاص لا يزيد في جرائم المجتمع الا اتساعا وضراوة .
وحـول حـفظ القتلة في السجون , فان هذه العملية لا تحقق هدف الاسلام من القصاص . فالقصاص - كما ذكرنا- يستهدف حفظ حياة المجتمع , والحيلولة دون تكرار القتل والجريمة . السجون وامثالها لا تـستطيع ان تحقق هذاالهدف (خاصة السجون الحالية التي هي افضل من اكثر بيوت المجرمين ).
ولا ادل عـلى ذلك من ارتفاع احصائيات جرائم القتل خلال فترة قصيرة , في البلدان التي الغت حكم الاعـدام . ولـو كـانـت احكام السجن عرضة للتقلص بسبب احكام العفو - كما هو سائد اليوم - فان المجرمين يعمدون الى ارتكاب جرائمهم دون تخوف او تردد.
3 - هل انتقص قانون القصاص المراة ؟ قـد يـظـن الـبـعض ان قانون القصاص الاسلامي قد انتقص المراة حين قرر ان الرجل لا يقتل بالمراة , اي ان الرجل - قاتل المراة - لا يقتص منه .
ولـيس الامر كذلك , مفهوم الاية لا يعني عدم جواز قتل الرجل بالمراة , بل - كما هو مبين في كتب الفقه - يجوزلاولياء المقتولة ان يطلبوا القصاص من الرجل القاتل , بشرط ان يدفعوا نصف ديته .
بعبارة اخرى : المقصود من عدم قصاص الرجل بالمراة , هو القصاص دون شرط, اما اذا دفعت نصف ديته فيجوز قتله .
واضـح ان دفـع نـصـف دية الرجل القاتل , لا يعني انتقاص الاسلام للمراة , بل يعني جبران الضرر المالي الذي يصيب عائلة الرجل القاتل بعد قتله , (تامل بدقة ).
ولـمـزيـد مـن الـتـوضيح نقول : الرجال يتحملون غالبا مسؤوليات اعالة الاسرة , ويؤمنون نفقاتها الاقتصادية , ولايخفى الفرق بين اثر غياب الرجل وغياب المراة على العائلة اقتصاديا, ولو لم يراع هذا الفرق لاصيبت عائلة المقتص منه باضرار مالية , ولوقعت في حرج اقتصادي , ودفع نصف الدية يحول دون تزلزل تلك العائلة اقتصاديا.ولا يسمح الاسلام ان يتعرض افراد اءسرة لخطر اقتصادي وتغمط حقوقهم تحت شعار المساواة .
قد تكون امراة في اءسرتها عضوة فعالة اقتصاديا اءكثر من الرجل , ولكن الاحكام والقوانين لا تقوم عـلـى اسـاس الـحالات الاستثنائية , بل على اساس الوضع العام , وفي هذه الحالة يجب ان نقارن كل الرجال بكل النساء. (تامل بدقة ).
4 - يلفت النظر ايضا في الاية عبارة (من اءخيه ), فالقرآن يركز على مفهوم الاخوة بين المسلمين , حـتـى يـطـلق هذا التعبير على القاتل . وبهذا التعبير يضرب القرآن على وتر العاطفة الاخوية بين المسلمين , كي يشجع اولياءالمقتول على العفو هـذا طبعا بالنسبة للقاتل الذي انزلق في هاوية الجريمة في ظروف عصبية خاصة , وندم بذلك على فـعـلـته . اماالمجرمون الذي يفخرون بجرائمهم , ولا يشعرون بندم على ما ارتكبوه فلا يستحقون اسم الاخ ولا العفو.
الايات 180 - 182
كتب عليكم اذا حضر اءحدكم الموت ان ترك خيرا الوصية للولدين والا قربين بالمعروف حقا على الـمـتقين فمن بدله بعدما سمعه فانما اثمه على الذين يبدلونه ان اللّه سميع عليم فمن خاف من موص جنفا اءو اثما فاءصلح بينهم فلا اثم عليه ان اللّه غفور رحيم التفسير الوصية بالمعروف الايـات الـسـابـقة ذكرت تشريع القصاص , وهذه الايات تذكر تشريع الوصية , باعتباره جزءا من النظام المالي ,وتذكر باسلوب الحكم الالزامي فتقول : (كتب عليكم اذا حضر اءحدكم الموت ان ترك خيرا الوصية للوالدين والا قربين بالمعروف ).
ثم تضيف الاية ان هذه الوصية كتبت (حقا على المتقين ).
ذكرنا ان تعبير (كتب عليكم ) يدل على الوجوب , من هنا كان هذا التعبير وقع بحث لدى المفسرين في هذه الاية , ولهم فيها اقوال مختلفة : 1 - جـاء فـي الايـة الـكريمة بشان كتابة الوصية كونها (حقا على المتقين ), من هنا فانها مستحبة استحبابا مؤكدا,ولو كانت واجبة لقالت الاية , حقا على المؤمنين .
2 - قـيل ايضا: ان هذه الاية نزلت قبل نزول احكام الارث , وكانت الوصية آنئذ واجبة , كي لا يقع نزاع بين الورثة . ثم نسخ هذا الوجوب بعد نزول آيات الارث , واصبح حكما استحبابيا. وفي تفسير العياشي حديث يؤيدهذا الاتجاه .
3 - يحتمل ايضا ان يكون حديث الاية عن موارد الضرورة والحاجة , اي حين يكون الانسان مدينا, او في ذمته حق , والوصية واجبة في هذه الحالات .
يبدو ان التفسير الاول اقرب من بقية التفاسير.
يلفت النظر ان الاية الكريمة عبرت عن المال بكلمة خير فقالت : (ان ترك خيرا). وهذا يعني ان الاسـلام يـعـتـبرالثروة المستحصلة عن طريق مشروع , والمستخدمة على طريق تحقيق منافع الـمـجتمع ومصالحه خيرا وبركة .ويرفض النظرات الخاطئة التي ترى الثروة شرا ذاتيا, ويرد عـلـى اءولـئك الـمـتـظاهرين بالزهد, القائلين ان الزهد مساوللفقر, مسببين بذلك ركود المجتمع الاسـلامـي اقـتـصاديا, ومؤدين بمواقفهم الانزوائية الى فسح المجال لاستثمارالطامعين خيرات اءمتهم .
هـذا التعبير يشير ضمنيا الى مشروعية الثروة , لان الاموال غير المشروعة ليست خيرا بل شرا وبالا.
ويستفاد من بعض الروايات ان تعبير خيرا يراد به الاموال الموفورة , لان المال اليسير لا يحتاج الـى وصية ,ويستطيع الورثة ان يقسموه بينهم حسب قانون الارث . بعبارة اخرى المال اليسير ليس بشي ء يستدعي ان يفصل الانسان ثلثه عن طريق الوصية ((499)) .
وجملة (اذا حضر اءحدكم الموت ) تبين آخر فرصة للوصية , وهذه الفرصة الاخيرة ان فاتت ايضا فـلا فـرصـة بعدها ... اي لا مانع ان يكتب الانسان وصيته قبل ذلك , بل يستفاد من الروايات ان هذا عمل مستحسن .
ولا قيمة لتلك التصورات المتشائمة من كتابة الوصية , فالوصية ان لم تكن باعثا على طول العمر, لا تبعث اطلاقا على تقريب اجل الانسان تـقـيـيـد الوصية (بالمعروف ) اشارة الى ان الوصية ينبغي ان تكون موافقة للعقل من كل جهة , لان الـمـعروف هوالمعروف بالحسن لدى العقل . يجب ان تكون الوصية متعقلة في مقدارها وفي نسبة توزيعها, دون ان يكون فيهاتمييز, ودون ان تؤدي الى نزاع وانحراف عن اءصول الحق والعدالة .
حـيـن تـكـون الوصية جامعة للخصائص المذكورة فهي محترمة ومقدسة , وكل تبديل وتغيير فيها محظور وحرام .لذلك تقول الاية التالية : (فمن بدله بعد ما سمعه فانما اثمه على الذين يبدلونه ).
ولا يظنن المحرفون المتلاعبون ان اللّه غافل عما يفعلون , كلا (ان اللّه سميع عليم ).
ولـعـل هذه الاية تشير الى ان تلاعب الوصي (وهو المسؤول عن تنفيذ الوصية ) لا يصادر اجر الـمـوصـي .فـالموصي ينال اجره , والاثم على الوصي المحرف في كمية الوصية او كيفيتها او في اصلها.

وشكرا .........
وارجو الرد كل من يمر بالموضوع ........